بنت العدرا عضو ذهبي


  العمر : 43 سجّل في : 13 فبراير 2008 عدد المساهمات : 712 احترامك لقوانين المنتدى : 
 | موضوع: كيف نعرف الله الأحد يوليو 20, 2008 11:52 pm | |
|
كيف نعرف الله؟ 2
بقلم قداسة البابا شنودة الثالث
* كثيرون معرفتهم لله معرفة خاطئة. وينبغي أن تتعدل مفاهيمهم لكي يعرفوه. فهم يجعلون الله سببا لكل مشاكلهم: إن رسب طالب في امتحان, ينسب ذلك إلي قلة رحمة الله! وأن تخرج ولم يجد وظيفة, إذن الله لا يحبه! وإن صدمت إحدي العربات إنسانا, يكون الله هو المسئول, وليس السائق أو المرور! وهكذا في أمثلة لا تحصي. لا يرجع فيها الشخص إلي أسبابها الواقعية.. إنما ينسب إلي الله كل متاعبه ومشاكله!! وبدلا من أن تقوده خبرات الحياة إلي معرفة الله بالأكثر, تقوده إلي التضجر والتذمر, وربما يهدد أو يجدف. فيقول مثلا: إذا لم أحصل علي مجموع في الثانوية العامة في العام المقبل, فلن أدخل الكنيسة ولن أتناول ولن أصوم ولن أصلي... أو يقول: لماذا يارب تفعل بي هكذا؟! لماذا تعرقل طرقي؟! لماذا تضطهدني؟. ولعل مما يشبه هذا, ما فعله بعض الماركسيين.. اتهموا الله بأنه لا يهتم بما يحدث علي الأرض من مظالم, ومن سوء توزيع الثروات الاقتصادية! وأنه مسئول عما في العالم من آلام وضيقات! وهكذا رفضوا الله والإيمان به, ودعوا الناس إلي ذلك, ووقعوا في الإلحاد ونشروه.. لأنهم لم يعرفوا الله معرفة حقيقية. وما يقع فيه المجتمع من أخطاء, نسبوه إلي الله, وخاصموا الله بسببه, أو أنكروا وجوده... ويشبه ذلك أيضا الوجوديون الذين اعتبروا أن وجود الله يلغي وجودهم, ومن الخطير أن الله لا يوجد, لكي يتمتعوا هم بالوجود!! فالله في نظرهم واقف ضد رغباتهم وشهواتهم. وإن أطاعوا وصاياه, فلن يشعروا بوجودهم! وبدلا من أن يلوموا أنفسهم علي شهواتهم الخاطئة, أصبحوا علي العكس يلومون الله بسبب وصاياه. والحقيقة لا يريد أن يحرمهم من الرغبات أو الوجود, إنما يريد أن يطهر رغباتهم, وأن يقدس وجودهم وهم لا يريدون... ويؤدي إلي نفس أسلوب الوجوديين, ولو من ناحية عكسية, أسلوب الفريسيين أيام تجسد السيد المسيح علي الأرض. كان الفريسيون يتبعون الطريقة الحرفية في فهم الوصايا الإلهية, فقدموا بهذا الأسلوب فكرة خاطئة عن الوصية, حولتهم من التدقيق إلي التضييق... وكما قال القديس بولس الرسول عن نشأته الأولي قبل إيمانه بالمسيح حسب مذهب عبادتنا الأضيق, عشت فريسيا (أع 26: 5). تضييق الفريسيين هذا, أتعب الكثيرين, حتي أن السيد المسيح وبخهم قائلا إنهم يحزمون أحمالا ثقيلة عسرة الحمل, ويضعونها علي أكتاف الناس, وهم لا يريدون أن يحركوها بأصبعهم (مت 23: 4)... وهكذا وضعوا مفاهيم صعبة لينفذها الناس في حفظ السبت, وفي التطهير, وفي العشور والتقدمات, مما جعل الرب يقول لهم إنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس, فلا دخلتم أنتم, ولا تدعون الداخلين يدخلون (مت 23: 13). بينما الذي يعرف الله, يجد أن وصاياه ليست ثقيلة (1يو 5: 3). إن التثقيل علي الناس يجعلهم ينفرون من الدين, وبالتالي يبعدون عن الله نفسه. ولهذا نجد أن آباءنا الرسل في أول مجمع لهم في أورشليم, رأوا أنه لا يثقل علي الراجعين إلي الله من الأمم وأرسلوا إليهم يقولون قد رأي الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلا أكثر, غير هذه الأمور الواجبة... (أع 15: 19, 2 ... وهكذا كانوا يتدرجون مع الناس شيئا فشيئا حتي يوصلهم إلي درجات الكمال... ومما يعطي فكرة خاطئة في معرفة الله التركيز علي العقوبات وغضب الله... جاءني البعض مضطربين بعد أن سمعوا عظة من الوصية الثالثة من الوصايا العشر .. لأن الرب لا يبرئ من ينطق باسمه باطلا (خر 20: 7). ذلك لأن الواعظ ركز علي عبارة الرب لا يبرئ وأطال الحديث عن شدة عقوبات الله, وعن جهنم, والبحيرة المتقدة بالنار والكبريت, مما أخاف الناس وأزعجهم, وأشعرهم أنهم هالكون لا محالة, فخرجوا من العظة منزعجين... حسن أن يتحدث الوعاظ عن عدل الله, ولكن ليس بطريقة مزعجة, وليس منفصلا عن رحمته... إن صفات الله لا تنفصل عن بعضها البعض. فعدل الله مملوء رحمة لأنه يعرف جبلتنا. يذكر أننا تراب نحن لذلك لم يصنع معنا حسب خطايانا, ولم يجازنا حسب آثامنا.. (مز 103: 10). لذلك فإن داود النبي كما يتضرع إلي مراحم الله, يتضرع أيضا إلي عدله, فيقول له في المزمور ... استجب لي بعدلك. ولا تدخل في المحاكمة مع عبدك, فإنه لا يتزكي قدامك أي حي (مز 143: 1, 2). نعم, عدلك الذي يعرف ضعف طبيعتنا, ويعرف أيضا قوة أعدائنا... لذلك فعدل الله كما يطالبنا بالوصية, يمنحنا أيضا النعمة, والقوة علي التنفيذ. يمنحنا روحه القدوس يعمل فينا, ويشترك معنا في العمل. ويكرر لنا عبارة لا تخف, أنا معك... عدل الله الذي يحاسب كل إنسان بحسب مواهبه وإمكانياته, ومقدار النعمة الممنوحة له, ومقدار فهمه وإدراكه... والذي يعرف أكثر, يطالب بأكثر (لو 12: 4 ... من الخطأ أيضا أن بعض الآباء والأمهات يربون أولادهم علي الخوف من الله... وفي كل ما ينهون أبناءهم عنه, يقولون أحسن ربنا يزعل! ويستمرون في تحذير الطفل من غضب الله عليه, فترسخ في ذهنه صورة مخيفة عن الله الذي يغضب ويعاقب... وكان الأولي بالآباء والمربين والمرشدين أن يستخدموا الأسلوب الإيجابي في مكافأة الله للطفل علي الخير ومحبته لله... فهذا أفضل. ومن أجل كثرة الأخطاء التي يقدمها المعلمون عن الله, ولو عن غير قصد, نري أن السيد المسيح يقول للآب إن العالم لم يعرفك. أما أنا فقد عرفتك (يو 17: 15). ويتابع مناجاته الجميلة بقوله: ... وعرفتهم اسمك, وسأعرفهم, ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به, وأكون أنا فيهم (يو 17: 16). هذه هي المعرفة الحقيقية التي تقودهم إلي الحب الإلهي وتعمق فيهم الإيمان بمحبة الله لهم... عرفتهم اسمك... وما الذي عرفتهم عن اسمك؟ أول شئ أنك الآب السماوي, الآب الذي يحبهم, ويعطيهم كل ما يحتاجون دون أن يطلبوا. وهذا الآب السماوي (هكذا أحب العالم, حتي بذل ابنه الوحيد, لكي لا يهلك كل من يؤمن به, بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3: 16). وهذا الآب السماوي يرسل لهم روحه القدوس, لكي يمكث معهم ويكون فيهم (يو 14: 17), ويعلمهم كل شئ (يو 14: 26) ويرشدهم إلي جميع الحق (يو 16: 13). ويمنحهم المواهب (1كو 12). أصعب ما في المعرفة الخاطئة عن الله, أن يشعروا كما لو كان الله ثقلا عليهم!! يشعرون بهذا الثقل في وصاياه, وفي معاملاته, وفي عقوباته الأرضية والأبدية!! وذلك بسبب التعليم الخاطئ والتفكير الخاطئ, وما ترسب في أذهانهم من الفريسية والوجودية والتربية العائلية السيئة... ونحن نريد للناس أن يتجدد فكرهم عن الله ويصلح. وأن يعرفوا الله علي حقيقته, الذي هو أبرع جمالا من من بني البشر, الذي ليس له شبيه بين الآلهة, آلهة الأمم, الذي يقول له المرتل في المزمور من مثلك؟!. نريدهم أن يعرفوه المعرفة التي تقودهم إلي محبته... كل معرفة تبعد عن محبة الله, هي معرفة باطلة غير حقيقية... علي أن تكون محبة ممزوجة بالمهابة. فهكذا محبة كل ابن لأبيه... محبة حقيقية بعيدة عن اللامبالاة وعن الاستهتار... تحب فيها كل صفة جميلة من صفات الله. وتحب أيضا أن تعود لك صورة الله, بقدر ما تحتمل طبيعتك البشرية... نقطة أخري في الوصول إلي معرفة الله وهي: * معرفة سير القديسين الذين أحبوه... سواء سير قديسي الكتاب, أو سير القديسين في تاريخ الكنيسة وحياة الآباء, أو القديسين الذين سمح الله أن نعاصرهم ونعاشرهم, والذين قال عنهم القديس بولس الرسول اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله.. انظروا إلي نهاية سيرتهم, تمثلوا بإيمانهم (عب 13: 7). حقا, ما أجمل تلك العبارة التي وردت في سفر النشيد: إن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء, فاخرجي علي آثار الغنم... (نش 1: . نعم, تتبعي أيتها النفس التي تريد أن تعرف الله, آثار خرافه الذين قال عنهم خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني (يو 10: 27).. يذهب أمامها, والخراف تتبعه, لأنها تعرف صوته... أما الغريبة فلا تتبعه, بل تهرب منه, لأنها لا تعرف صوت الغرباء (يو 11: 4, 5). هؤلاء هم القديسون الذين عرفوا الله, وصاروا صورة له علي الأرض. إن عرفناهم, نري صورة الله التي لهم فنعرفه في حياتهم... تري إنسانا وديعا محبا لطيفا جدا في معاملاته. فتقول: إن كان هذا الإنسان هكذا, فكم إذن تكون وداعة الله ومحبته ولطفه...؟! وبنفس الوضع إن رأيت إنسانا حكيما عاقلا, تقول: كم تكون إذن حكمة الله وعقله؟! وبالمثل في كل صنعة جميلة تراها في محبي الله السائرين في طرقه... لست فقط تري الله في حياتهم وتعرفه... وإنما أيضا: تعرف الله في معاملته لقديسيه... اقرأ الكتاب مثلا, وتأمل معاملة الله لإبراهيم أو موسي أو داود أو إيليا... فتعرف الله: كيف كانت بينه وبين محبيه دالة.. كيف كان يكشف مشيئته لهم, ويقول هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟! (تك 18: 17) ثم يفتح بابا للحوار مع إبراهيم, ويستمع ويستجيب... وبنفس الأسلوب يتكلم مع موسي لما عبد الشعب العجل الذهبي (خر 32)... تعرف الله في محبته, في مغفرته, في طول أناته, في عطائه, في سخائه, في باقي صفاته... ثم تطبق أمثلة من ذلك في حياتك, علي قدر ما منحك الله من عشرة معه... وكذلك في حياة معارفك من الناس... وفي كل حادث أو تعامل, تزداد معرفتك لله بالأكثر. * وبالمثل تعرف الله عن طريق تتبع معاملته للخطاة.. البعض الذين يصبر عليهم زمانا, حتي يقتادهم إليه, ويهديهم ويجعلهم من أحبائه, مثلما فعل مع موسي الأسود ومريم القبطية وأوغسطينوس في التاريخ,ومثلما فعل في الكتاب مع شاول الطرسوسي الذي اضطهد الكنيسة, ومع مريم المجدلية التي كان فيها سبعة شياطين (مر 16: 9), ومع راحاب... أو الذين أخطأوا فعاقبهم الله علي الأرض, وجذبهم إليه بمحبته ومغفرته, مثلما فعل مع داود (2صم 12)... عاقبه وغفر له, وجعل له مكانة كبيرة جدا حتي بعد وفاته (1مل 11: 12, 13)... وكان يقول من أجل داود عبدي... أو أعرف الله عن طريق الخطاة الذين أطال أناته عليهم جدا, ثم عاقبهم أخيرا معاقبة شديدة جدا, مثلما فعل مع فرعون أيام موسي (خر 4: 14). * اعرف الله فيما يعلنه عن نفسه, وفيما يعلنه القديسون عنه... أما ما يعلنه القديسون, فما أكثر ما نجده في مزامير داود, قوله الرب رحيم ورؤوف, طويل الروح وكثير الرحمة.. باركي يا نفسي الرب,ولا تنسي كل حسناته (مز103: عظيم هو الرب, ومسبح جدا. وليس لعظمته أي استقصاء... (145: 3) الرب قد ملك ولبس الجلال. لبس الرب القوةوتمنطق بها (مز 93: 1). وفي إعلان الرب عن نفسه وعن معاملاته, اقرأ كمثال رسائل إلي الكنائس السبع التي في آسيا (رؤ 2, 3) واقرأ أحاديثه إلي الأنبياء والرسل. وتأمل... * يمكن أن نعرف أيضا عن طريق الطبيعة... وكما يقول المرتل في المزمور السموات تحدث بمجد الله, والفلك يخبر بعمل يديه (مز 19: 1). وكما يقول السيد المسيح: تأملوا طيور السماء, وزنابق الحقل (مت 6: 25-36). بتأملك قوانين الفلك, وتتابع الليل والنهار, وتتابع فصول السنة, تجد فكرة عجيبة عن محبة الله للنظام, بذلك القوانين الطبيعية المنظمة مدي الأجيال. وبتأملك لوظائف الأعضاء في جسم الإنسان, ووظيف كل عضو, تدرك قدرة الله العجيبة التي تفوق الفهم, والتي يقف أمامها كل علم الإنسان عاجزا... الإنسان الذي وهبه الله عقلا استطاع به أن يرسل سفنا في الفضاء إلي القمر, ما الذي يستطيعه هذا العقل البشري العظيم أمام مخ توقفت بعض مراكزه؟! أيستطيع أن يعيدها إلي الوضع الذي خلقها به؟! محال... بل ما الذي يستطيعه هذا العقل الجبار أمام أمراض مستعصية يقف أمامها عاجزا. هنا تعرف شيئا عن قدرة الله وقوته في خليقته ويمكنك أن تعرف شيئا عن جمال الله من تأملك لون الفراشات وأنغام الطيور. أنواع متعددة جدا بالمئات من الفراشات, لكل منها لون جميل, أو مجموعة متناسقة من الألوان, لا يستطيع فنان أن يرسمها بنفس الجمال, أو كمال قال السيد المسيح عن الفراشة ولا سليمان في كل مجهده, كان يلبس كواحدة منها (مت 6: 29). ونفس المنطق مع الطيور, التي لكل منها نغم خاص وصوت خاص ومن مجموعها تتكون سيمفونية عجيبة. بالإضافة إلي أنه لكل منها عاداته وتقاليده... وأخيرا, أترانا مهما كتبنا من مقالات, نستطيع أن نشرح كيف نعرف الله!! نكتفي بهذا الآن معترفين بعجز العقل البشري عن الاقتراب من غير المحدود...
|
|